الشيخ حسن أيوب
35
الحديث في علوم القرآن والحديث
الشدائد . ولا ريب أن تلك الشدائد كانت تحدث في أوقات متعددة ، فلا جرم كانت التسلية تحدث هي الأخرى في مرات متكافئة . فكلما آذاه خصمه ، سلاه ربه ، وتجيء تلك التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين التي لها في القرآن عرض طويل ، وفيها يقول اللّه تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ سورة هود آية : 120 ] . وتارة تجيء التسلية عن طريق وعد اللّه لرسوله بالنصر والتأييد والحفظ كما في قوله سبحانه : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ سورة الطور آية : 48 ] . وقوله سبحانه : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ سورة المائدة آية : 67 ] ، ونحو ما في سورتي الضحى ، وألم نشرح ، من الوعود الكريمة والعطايا العظيمة . وطورا تأتيه التسلية عن طريق إيعاد أعدائه وإنذارهم نحو قوله تعالى : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ سورة القمر آية : 45 ] ، وقوله سبحانه : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ سورة فصلت آية : 13 ] . وطورا آخر ترد التسلية في صورة الأمر الصريح بالصبر نحو قوله تعالى : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ سورة الأحقاف آية : 35 ] . أو في صورة النهي عن التفجع عليهم ، والحزن منهم بنحو قوله تعالى : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ [ سورة فاطر آية : 8 ] . ونحو قوله سبحانه : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [ سورة النحل آية : 127 ] . ويمكن أن تندرج هذه الحكمة بوجوهها الأربعة تحت قول اللّه تعالى في بيان الحكمة من تنجيم القرآن كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [ سورة الفرقان آية : 32 ] . الحكمة الثانية التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علما وعملا ، وينضوي تحت هذا الإجمال أمور خمسة أيضا : أولها : تيسير حفظ القرآن على الأمة العربية ، وهي كما علمت أمة أمية . وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم ، وكانت مشتغلة بمصالحها المعاشية ، وبالدفاع عن دينها الجديد ، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه ، فاقتضت الحكمة العليا أن ينزله اللّه إليهم مفرقا ليسهل عليهم حفظه ، ويتهيأ لهم استظهاره . ثانيها : تسهيل فهمه عليهم كذلك ، مثل ما سبق في توجيه التيسير في حفظه .